الغزالي
66
الأربعين في اصول الدين
البطن ، وعلى ذلك كانت عادة عمر - رضي اللّه عنه - وجماعة من الصحابة ، إذ كان قوتهم في الأسبوع صاعا من شعير . الثالثة : المدّ الواحد وما جاوز ذلك ، فهو مشاركة مع أهل العادة ، وميل عن طريق السالكين المسافرين إلى اللّه تعالى . وقد يؤثّر في المقادير اختلاف الأحوال والأشخاص ، وعند ذلك فالأصل فيه أن يمدّ اليد إذا صدق جوعه ، ويكفّ وهو بعد صادق الاشتهاء . وعلامة صدق الجوع أن تشتهي أيّ خبز كان من غير أدم « 1 » ، فإذا استثقل الأكل بغير أدم ، فهو علامة الشبع . وأما الوقت ، ففيه أيضا ثلاث درجات : أعلاها أن يطوى ثلاثة أيام فما فوقها ، فقد كان الصدّيق - رضي اللّه عنه - يطوى « 2 » ستة أيام ، وإبراهيم بن أدهم والثوري سبعا ، وبعضهم انتهى إلى أربعين يوما . وقيل من طوى أربعين يوما ظهرت له لا محالة أشياء من عجائب الملكوت ، ولا يمكن ذلك إلا بالتدريج . وأما الأوسط بأن يطوى يومين ، والأدنى بأن يأكل في اليوم مرة واحدة ، فمن أكل مرتين لم تكن له حالة جوع أصلا ، فيكون قد ترك فضيلة الجوع . وأما الجنس ، فأعلاه خبز البرّ « 3 » مع الإدام ، وأدناه خبز الشعير بلا إدام . والمداومة على الإدام مكروه جدا ؛ قال عمر - رضي اللّه عنه - لولده : كلّ مرة خبزا ولحما ، ومرة خبزا وسمنا ، ومرة خبزا ولبنا ، ومرة خبزا وملحا ، ومرة خبزا قفارا « 4 » . فهذا تنبيه على الأحسن في أهل العادة . وأما السالكون الطريق ، فقد بالغوا في ترك الإدام ، بل في ترك الشهوات جملة ، حتى كان بعضهم يشتهي الشهوة عشر سنين وعشرين سنة ، وهو يخالف نفسه ويمنعها شهواتها . وقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « شرار أمتي الذين غذّوا بالنعيم ونبتت عليه أجسامهم ، وإنما همتهم ألوان الطعام وأنواع اللباس ويتشدقون في الكلام » . وقد شرحنا طريق السلف في ترك الشهوات في كتاب كسر الشهوتين .
--> ( 1 ) أدم : ما يؤتدم به . ( 2 ) يطوى : يجوع . ( 3 ) خبز البر : خبز القمح . ( 4 ) قفار : غير مأدوم .